ابن حجر العسقلاني
277
فتح الباري
قد وافق حكم الله وقال إن عرش الرحمن اهتز لموته إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة خشية ان يغتر ناقص العلم بما ذكره القرطبي فيعتقد صحة ذلك وهو باطل وقد اختلف في المقبورين فقيل كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة ان النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين من بنى النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول والنميمة قال أبو موسى هذا وإن كان ليس بقوى لكن معناه صحيح لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من احسانه فشفع لهما إلى المدة المذكورة وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين وقال لا يجوز ان يقال انهما كانا كافرين لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه لهما ولو كان ذلك من خصائصه لبينه يعنى كما في قصة أبى طالب ( قلت ) وما قاله أخيرا هو الجواب وما طالب به من البيان قد حصل ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية لكن الحديث الذي احتج به أبو موسى ضعيف كما اعترف به وقد رواه أحمد باسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمنا أن مسلما أخرجه واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجة مر بقبرين جديدين فانتفى كونهما في الجاهلية وفى حديث أبي أمامة عند أحمد انه صلى الله عليه وسلم مر بالبقيع فقال من دفنتم اليوم ههنا فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لان البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بان كل فريق يتولاه من هو منهم ويقوى كونهما كانا مسلمين رواية أبى بكرة عند أحمد والطبراني باسناد صحيح يعذبان وما يعذبان في كبير وبلى وما يعذبان الا في الغيبة والبول فهذا الحصر ينفى كونهما كانا كافرين لان الكافر وان عذب على ترك أحكام الاسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف وفى هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم اثبات عذاب القبر وسيأتي الكلام عليه في الجنائز إن شاء الله تعالى وفيه التحذير من ملابسة البول ويلتحق به غيره من النجاسات في البدن والثوب ويستدل به على وجوب إزالة النجاسة خلافا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة والله أعلم ( قوله باب ما جاء في غسل البول وقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب القبر ) أي عن صاحب القبر وقال الكرماني اللام بمعنى لأجل ( قوله كان لا يستتر من بوله ) يشير إلى لفظ الحديث الذي قبله ( قوله ولم يذكر سوى بول الناس ) قال ابن بطال أراد البخاري ان المراد بقوله في رواية الباب كان لا يستتر من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها ومحصل الرد ان العموم في رواية من البول أريد به الخصوص لقوله من بوله أو الألف واللام بدل من الضمير لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق قال وكذا غير المأكول وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى وقال القرطبي قوله من البول اسم مفرد لا يقتضى العموم ولو سلم فهو مخصوص بالأدلة المقتضية بطهارة بول ما يؤكل ( قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم ) هو الدورقي قال أخبرنا وللأكثر حدثنا إسماعيل بن إبراهيم وهو المعروف بابن علية وليس هو أخا يعقوب وروح بن القاسم بفتح الراء على